محمد بن جرير الطبري
17
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
إِنَّمَا الْعِلْمُ بوقت مجيء ما أعدكم به من عذاب الله على كفركم به عند الله ، لا أعلم من ذلك إلا ما علمني وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ يقول : وإنما أنا رسول إليكم من الله ، مبلغ أبلغكم عنه ما أرسلني به من الرسالة وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ مواضع حظوظ أنفسكم ، فلا تعرفون ما عليها من المضرة بعبادتكم غير الله ، وفي استعجال عذابه . القول في تأويل قوله تعالى : فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا يقول تعالى ذكره : فلما جاءهم عذاب الله الذي استعجلوه ، فرأوهسحابا عارضا في ناحية من نواحي السماء مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ والعرب تسمي السحاب الذي يرى في بعض أقطار السماء عشيا ، ثم يصبح من الغد قد استوى ، وحبا بعضه إلى بعض عارضا ، وذلك لعرضه في بعض أرجاء السماء حين نشأ ، كما قال الأعشى : يا من يرى عارضا قد بت أرمقه * كأنما البرق في حافاته الشعل قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا ظنا منهم برؤيتهم إياه أن غيثا قد أتاهم يحيون به ، فقالوا : هذا الذي كان هود يعدنا ، وهو الغيث . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ الآية ، وذكر لنا أنهم حبس عنهم المطر زمانا ، فلما رأوا العذاب مقبلا ، قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا . وذكر لنا أنهم قالوا : كذب هود كذب هود ؛ فلما خرج نبي صلى الله عليه وسلم الله فشامه ، قال : بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : ساق الله السحابة السوداء التي اختار قيل ابن عنز بما فيها من النقمة إلى عاد ، حتى تخرج عليهم من واد لهم يقال له المغيث ، فلما رأوها استبشروا ، قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا : يقول الله عز وجل : بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ وقوله : بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل نبيه صلى الله عليه وسلم هود لقومه لما قالوا له عند رؤيتهم عارض العذاب ، قد عرض لهم في السماء هذا عارض ممطرنا نحيا به ، ما هو بعارض غيث ، ولكنه عارض عذاب لكم ، بل هو ما استعجلتم به : أي هو العذاب الذي استعجلتم به ، فقلتم : فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ والريح مكررة على ما في قوله : هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ كأنه قيل : بل هو ريح فيها عذاب أليم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن المثنى ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن عمرو بن ميمون ، قال : كان هود جلدا في قومه ، وإنه كان قاعدا في قومه ، فجاء سحاب مكفهر ، ف قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا فقال : بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ قال : فجاءت ريح فجعلت تلقي الفسطاط ، وتجيء بالرجل الغائب فتلقيه . حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن جده ، قال : قال سليمان ، ثنا أبو إسحاق ، عن عمرو بن ميمون ، قال : لقد كانت الريح تحمل الظعينة فترفعها حتى ترى كأنها جرادة . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ إلى آخر الآية ، قال : هي الريح إذا أثارت سحابا ، قالُوا : هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا ، فقال نبيهم : بل ريح فيها عذاب أليم . القول في تأويل قوله تعالى : تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها . . . الْمُجْرِمِينَ وقوله تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها : يقول تعالى ذكره : تخرب كل شيء ، وترمي بعضه على بعض فتهلكه ، كما قال جرير : وكان لكم كبكر ثمود لما * رغا ظهرا فدمرهم دمارا يعني بقوله : دمرهم : ألقى بعضهم على بعض صرعى هلكى . وإنما عنى بقوله : تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها مما أرسلت بهلاكه ، لأنها لم تدمر هودا ومن كان آمن به . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا طلق ، عن